50 ألف ليرة وسطي إنفاق الأسرة الشهري بعد التقشف ...

تعاني الأسر السورية منذ بداية الأزمة التي يشهدها الوطن ضغوطاً كبيرة، لم تتوقف عند الهاجس الأمني والتهجير من المناطق المتوترة إلى مراكز الإيواء والمناطق الآمنة، بل تعداها إلى ارتفاع تكاليف المعيشة وتفشي الغلاء في جميع متطلبات الحياة الأسرية

وأصبحت سياسة شد الحزام من الطرق المتبعة في كل أسرة لتفادي موجة الغلاء والحفاظ على الحد الأدنى من المعيشة المقبولة، ولو أخذنا في الحسبان معدل ارتفاع أسعار صرف العملات الأجنبية والتي تضاعفت 3 مرات خلال الأزمة، يكون من  البديهي أن يتضاعف معدل الإنفاق الشهري بنفس النسبة، وربما أكثر بحكم تعدد العوامل المؤثرة في الإنفاق والأسعار.

وانطلاقاً من الإحصائيات الرسمية الصادرة عن المكتب المركزي للإحصاء التي بيّنت أن وسطي الإنفاق الشهري الكلي للأسرة السورية حوالي 30 ألف ليرة سورية في العام 2009 تشمل الغذاء واللباس والأثاث المنزلي والنقل والاتصالات والتعليم والإيجار الشهري مع فواتير الكهرباء والماء دون أن تنسى الغاز والمازوت والإنترنت، فيكون معدل الإنفاق قد تضاعف إلى 90 ألف نظرياً، فهل أمنّت الأسر هذه التكلفة لمعيشتها من خلال الدّين وتصريف المدخرات وبيع الأصول التي تمتلكها، أم أنها انتهجت سياسات شد الأحزمة وتغيير العادات الاستهلاكية للوصل إلى مكان وسط؟ هذا ما سننطلق منه في هذا المقال لمعرفة الاتجاهات الواقعية للإنفاق خلال الأزمة.

ومن الجدير ذكره أولاً أن رقم الإنفاق يختلف ويتباين قياساً إلى المناطق والمحافظات وإلى الشرائح السكانية، ففي دمشق –وقياساً إلى إحصائيات 2009- يبدأ وسط الإنفاق الشهري بـ13800 ليرة تقريباً للشريحة السكانية الأولى ثم يزداد مروراً بالشرائح الأعلى حتى يسجل 157 ألف ليرة للشريحة العاشرة، لكن الشرائح الوسطى تنفق بين 30 و40 ألف ليرة سورية وسطياً (الشرائح بين 6 و7) أما الشرائح الأقل من 5 فينخفض إنفاقها عن 27600 ليرة سورية في الشهر.

هذا ولم ينشر المكتب المركزي للإحصاء إحصائيات ترصد تطورات الإنفاق خلال الأزمة بالتزامن مع ارتفاع التضخم الذي يعبر عنه الرقم القياسي للأسعار.

وفي هذا السياق بيّن بعض المواطنين خلال حديثهم لـ»الوطن» أن متوسط إنفاق الأسرة قد ارتفع بحدود 150% على الأقل خلال الأزمة، فبعد أن كان يتراوح بين 20 إلى 25 ألف ليرة سورية للأسرة التي تتألف من أربعة أشخاص يعيشون بمستوى وسط وما دون، أصبح في ظل الظروف الراهنة وموجة الغلاء التي تجتاح البلد يقترب وسطياً للأسرة نفسها إلى 50 ألف ليرة سورية وأحياناً يتجاوزها في الأشهر التي فيها مناسبات خاصة، وذلك بعد التقشف المفروض عليهم بحكم الظروف، حيث تغيرت العادات الغذائية للمواطن بشكل واضح؛ فقد أضحت اللحمة «هدية» الشهر إن تمكن من شرائها مرة واحدة في الشهر، والفروج هجر موائد الأسرة السورية وبات بيضه يفقس ذهباً للتجار، وتحولت الأسرة من التبضع كل شهر أو شهرين في أسواق الألبسة إلى التبضع في بداية الموسم ومن على البسطات أو محال البالة ومن دخل إلى محل ألبسة فيعتبر من الميسورين، وأصبح مصروف التنقل اليومي يعادل أكثر من ربع الراتب، وبات من هواجس رب الأسرة وخصوصاً لمن لديه طلاب في الجامعة والمدرسة، ولم يكف الأسرة السورية معاناة التهجير من بيوتها لتكتمل معها بمعاناة أجور السكن التي ارتفعت بشكل خيالي.

وعن هذا الحال قال أستاذ الاقتصاد بكلية الاقتصاد بجامعة دمشق الدكتور هيثم عيسى لـ«الوطن» إن احتساب مقياس مؤشر أسعار المستهلك يتم بشكل سنوي أو خلال ربع السنة ويعكس متوسط التغيير في أسعار السلع الموجودة في الأسواق (الأسعار النهائية).

وأشار عيسى إلى أنه وحسب إحصائية المكتب المركزي للإحصاء فإن متوسط الزيادة ارتفع خلال فترة الأزمة ما بين 35% إلى 40%، يمكن تقسيمه من عام 2010 إلى عام 2011 ارتفع بمقدار الثلث وعاد وارتفع من 2011 إلى 2012 بمقدار الثلث عن الارتفاع السابق، ليرتفع مجدداً من 2012 إلى 2013 كذلك بمقدار الثلث عن الارتفاع السابق، أي إن محصلة الارتفاع هي تراكمية.

وأضاف: إن بنية هذا المؤشر تقسم إلى أغذية ومشروبات والسكن وغيرها، ولكن الأغذية هي التي شهدت الارتفاع الأكبر في أسعارها، فحسب الإحصائية فإن متوسط الزيادة في أسعار السلع الغذائية ارتفع ما بين 100% إلى 150%.

ولفت عيسى إلى أن أهم الأسباب وراء هذا الارتفاع هو تناقص القدرة الإنتاجية للاقتصاد السوري والتراجع الحاد في حجم الإنتاج، وتعرض المنشآت الصناعية للتخريب والنهب إضافة إلى هجرة الصناعيين إلى دول الجوار، ومن جهة أخرى هناك الفلاحون وضعف إنتاجيتهم مبيناً أن العديد منهم لم يتمكنوا من جني المحصول وتسويقه وهناك من لم يتمكن من زراعته، كما أن العقوبات الاقتصادية المفروضة أضعفت القدرة على استيراد المواد الأولية وقطع الغيار وغيرها من مستلزمات الإنتاج الزراعي والصناعي.

ولفت عيسى في حديثه لـ«الوطن» إلى أن الأسواق السورية لا تخضع لضوابط أو سلطة مباشرة من الجهات الحكومية، وهناك ضعف في الكوادر الحكومية المسؤولة عن متابعة ومراقبة الأسواق وملاحقة المتلاعبين بالأسعار، حيث شهد السوق تلاعباً واضحاً من التجار بالأسعار وخصوصاً مع ما شهده سعر صرف الدولار من ارتفاع حاد إلى انخفاض سريع، حيث ادعى التاجر عند ارتفاع سعر الدولار على أنه اشترى بضاعته وفقاً للسعر الجديد مع أن السعر لم يمض وقت طويل على طرحه، وعند انخفاض السعر يجد التاجر لنفسه مبرراً في الاستمرار برفع الأسعار بحجة أنه اشترى البضاعة عندما كان الدولار مرتفعاً، ولولا ضعف التدخل الحكومي لما تمكن التاجر من التلاعب بالسوق بالطريقة التي يريدها، إضافة إلى عدم تناسق الإجراءات التي اتخذت من الجهات الحكومية، فالكثير من قرارات التدخل في السوق لم تكن مدروسة واتخذت على عجل ولم يحسب لها نتائج مستقبلية.

وقسّم الدكتور عيسى المستهلك السوري إلى قسمين خلال الأزمة، فالقسم الأول هو من لم يتأثر بارتفاع الأسعار وإنما استفاد منها وهم التجار والصناعيون الذين تحكموا بالأسواق وتعتبر الأزمة لهم هي فترة ربح استثنائية.

والقسم الآخر فئة الدخل المحدود وكان لهم عدة ردود فعل لجؤوا إليها للتعامل مع ارتفاع الأسعار، فمنهم من قام بالادخار، وهم سكان المناطق الريفية أو من تمكنوا في المدن من تخزين المؤونة، للتخفيف من مصاريف شراء المواد الغذائية، ولكن الأغلبية العظمى لم يتمكنوا من التخزين وكانوا الأكثر تأثراً وقاموا بتخفيض الكميات المستهلكة وهو ما يسمى (عقلنة الإنفاق أو تقريش الإنفاق) أي كل قرش يجب أن يوضع في مكانه.

وأكد عيسى أن التدخل الحكومي الصحيح يخفف من آثار الأزمة في ارتفاع متوسط الإنفاق للأسرة، ويمكن أن نعطي مثالاً في وجود سوق وحيد للخضار والفواكه في دمشق وهو سوق الهال، ولو أن الحكومة أوجدت سوقاً منافساً له لكانت هناك تنافسية في العرض والطلب تؤدي لخفض الأسعار، كما يجب على الحكومة تفعيل دور المؤسسات الحكومية وتقوية دورها في التدخل لحماية المستهلك، والأهم هو أن تدخل الحكومة في السوق وتصبح كالتاجر وتبتعد عن دور المخطط للسوق وتصبح فاعلاً أساسياً فيه.